Monday, September 29, 2008

العيد

لما جاء شهر رمضان بأجوائه الجميلة.. مر على خاطري أن أهل الإيمان سيعيشون فيه أجمل الأيام والليالي، وسيسعدون فيه بالتعرض لفضل الله عليهم، وهذا ماحصل بالفعل.. كنت أسير بين الناس وأجد في وجوه الكثير هذا الأنس وتلك الراحة التي تلوح على وجوههم لا لشيء إلا لأنهم عبيد للكريم الرحيم الودود.. يسيرون الى أماكن الطاعة فتسعد ارجلهم بهذا المسير، ويتلون القرآن ويذكرون الله فتسعد ألسنتهم بتلك القراءة التي تعيد الإنسان إلى فطرته السليمة الراقية، وهكذا كانت الجوارح تحتفل والقلوب تسعد والأرواح تهنأ، كنت أتأمل هذا الفرح والابتهاج فلا أجد له سبباً إلا الاقتراب من مراضي الله سبحانه وتعالى

تساءلت في قرارة نفسي: هل سينتهي هذا الشهر؟؟

لالا.. أظنه سيبقى ولن يرحل عنا ولن يغادرنا.. هو يعلم اننا نحبه، هو يعلم أننا اشتقنا اإليه يوماَ بعد يوم وشهراَ بعد شهر إلى أن تكرم الله علينا بأن اجتمع الشمل وقرت العيون بلقائه وسعدت الأرواح بصحبة كل لحظة من لحظاته الهانئة الهادئة الرائقة.. لا لن يرحل مهما حدث.. لن يرحل فهو شهر كريم كريم كريم..

بدأ تتابع لحظاته.. وكلما جاءت لحظة كنت أرى أهل الإيمان يستوقفونها ويقولون لها إلى أين تذهبين أيتها الغالية.. نرجوك نتوسل إليك أيتها الحبيبة.. إبقي معنا فنحن نحبك ونأنس بقربك.. فلا تجيبهم اللحظة إلا بدمعة تسيل على خدها المضيء وكانها تقول لهم يجب أن أذهب فأنا خير فرط لكم.. ستجدونني هناك اعد لكم المكان حتى تطيب لكم الإقامة فليست الدنيا مستقري.. هكذا جعلني الله رحمة لكم..... ولكي أكون لكم رحمة.. سأرحل ويبقى حبي في قلوبكم يزهر وينمو ويكبر فإن رحلت بصورتي فمعناي باق معكم.. كنت لا املك دموعي وأنا أرى الحب بأجمل معانيه بأبهى الصور الظاهرة يصرح ويصرخ بأعلى صوته: لا.. لم تُشَوَّه صورتي بعد.. لا زلت أنا كما أنا طاهراً عفيفاَ بهياَ زكياَ ليأت كل من يدعي الحب ويراني فأنا الحب الذي تسلق الكثير على سفوحي ولم يصل الى قمتي الا هؤلاء.. انظروهم كيف يحبون اللحظات وتحبهم.. انظروهم ولا تكونوا الا من حزبهم فنعم الحزب حزبهم ونعم الحب حبهم

كان تتابع اللحظات يسهل على المؤمنين فراقها فلا يكاد يبدو ألم فراق لحظة حتى يلوح البشر على وجوههم باستقبال اللحظة التي تليها.. كنت أراهم وأقول هنيئاً.. هنيئاً لكم بمصاحبة تللك اللحظات هنيئا لكم بسكب العبرات هنيئاً بتوالي المسرات.. لكني مع شدة فرحي كنت خائفا

نعم كنت خائفا وبشدة من أمر سيأتي... ستأتي اللحظة الأخيرة.. ولن تعقبها لحظة أخرى تضمد جراح فراقها.. وفي اليوم
لاح لي الأخير مؤمن محب يصور لي ذلك المشهد قائلاً: لما كان اليوم الأخير من رمضان أخذ قلبي يخفق وبشدة.. كنت استغرب من خفقانه العجيب.. فلم أكن اركض.. لم اكن اجري.. أردت بأن أضع حدا لهذا التهاون الذي صدر من قلبي مخالفا لقوانين الحياة فقلت له لاهثاً ياقلب لا تخفق هكذا فليس هناك مايدعو لخفقاتك وضرباتك التي قد توجعك وتصدع جدران بنائك.. فما استتمت كلماتي حتى رفع القلب عينيه إلي بشموخ ممزوج بانكسار غريب قائلا.. إن كانت جوارحك يامؤمن ساكنة فكيانك بكل مافيه يجري ويسعى خلف اللحظة الأخيرة.. ألا تعرف كيف ستكون اللحظة الأخيرة أم أن التناسي والتعامي صار سجية لك؟ كلماته جعلتني استفيق من رقادي وأقف من بعد جلوسي فقلت له حسبك حسبك.. فكلماتك توقظ أحزاني وتسيل دموعي وتجرِّح أعماقي.. ارجوك لا تكمل واخفق كبف شئت.. ولكن لا تلمني فأنت تعلم بالسعادة التي احسها في تلك اللحظات الرمضانية ولا ادري حقا كيف سأجتاز جسر الألم الذي سيبنى بمجرد وصولي إلى اللحظة الأخيرة بل إلى المحطة الأخيرة..

انتهى الحوار بين ذلك المحب وقلبه المنكسر الحزين.. وجالت عيوني بين الوجوه فإذا بي أرى آثاراً لحوارات مشابهة صرت استطيع قراءتها بسهولة بعدما علمني ذلك المحب لغة القلوب.. وبدأ الشعور يسري إلى قلبي بعد أن قررت أن اكون معهم وقلت كيف سأتجاوز جسر اللحظة الأخيرة؟؟ لا بد أن هذا الأمر صعب وأليم ولن يسهل علي اجتيازه، أتت اللحظة الأخيرة يسبقها بهاؤها ونورها يساعات جميلة مرت مرور البرق ولم تنفع الدوع التي جرت على عيون أهل الإيمان في ثنيها عن قرار الرحيل لكنها رغم الدموع تكلمت وبأوضح البيان نوهت: لا تحزنوا كثيراً على فراقي فأنا أحبكم كما تحبونني وسيأتيكم العيد غداً بجيوش الفرح فكما أنكم شعرتم بالألم لفراقي من أجل الله ستسعدون في العيد لأنكم تعلمون ان الله يحب منكم الفرح بالعيد وعسى الله أن يكرمكم فيه بالمزيد

Tuesday, September 16, 2008

قل إن تخفوا مافي صدوركم أوتبدوه يعلمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

1- عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ مانوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ماهاجر إليه) رواه البخاري ومسلم رضي الله عنهما

2- وعن جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما قال: ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: ( إن بالمدينة رجالاً ماسرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا شركوكم في الأجر ) رواه مسلم

3- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم) رواه مسلم

4- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب) متفق عليه

بعد تأملٍ جميلٍ لهذهِ الأحاديثِ الأربعةِ -ومثلُها كثيرٌ في السنةِ المطهرةِ- سيتضحُ لنا أنَّ شَأْنَ القلبِ عندَ اللهِ سبحانَهُ كبيرٌ وعظيمٌ، فبِهِ يشتركُ المؤمنونَ الصادقونَ في المدينةِ معَ اخوانِهمُ المجاهدينَ في الأجرِ مع إنهم لمْ يستطيعوا الذهابَ مع النبي صلى الله عليه وسلم وتعذر عليهم الذهابُ من كلِّ الوجوهِ(انظر الحديث الثاني) وما ذلِك إلا لصِدْقِ الرَّغبَةِ في قلوبهم...
وبه أيضا يكون المرء يوم القيامة في درجةٍ تفوقُ درجتَهُ ويحوزُ مرتبةً لا توصِلُهُ إليها أعمالُه الصالحةُ وماذاك إلا بِالمَحَبَّةِ التي سَكَنَتْ قلُبَه لأُناس يفوقونَهُ درجةً (انظر الحديث الرابع) وهنا نذكر إشارةَ النبي صلى الله عليه وسلم :(إن اللهَ لا ينظرُ إلى أجسامِكم ولا إلى صورِكم ولكنْ ينظرُ إلى قلوبِكُم) أي أن شأن القلوب يفوق شأن الأجساد وإن كانت الأجسادُ لها شأن عظيم في إظهارِ الأعمالِ التي يتحققُ بها صدقُ القلوبِ في طلبِ رضى اللهِ سبحانَهُ وتَعالى

ومن أجملِ ما تتزينُ بهِ القلوبُ الإخلاص لله فلا يقولُ المخلصُ الصادقُ قولاً ولايعملَ عملاً ولايعزِم على أمرٍ إلا ويكون ناوياً بذلكَ التقربَ إلى اللهِ وابتغاءَ الثوابِ الذي رتبهُ سبحانهُ على العمل بفضلِ الله ومنَّتِهِ سبحانه وتعالى

وتتزينُ القلوبُ أيضا بالمحبةِ في الله سبحانه فإذا أحبَّ المؤمنُ العبدَ المطيع لأنه مطيعٌ لله سبحانه لا لشيءٍ آخر فهو محبٌ لله سبحانه وتعالى، وإذا لم أجد في نفسي محبةً لأهل الخيرِ لخيرِهم وكراهةً لأهلِ الشرِّ لِشَرِّهِم فأنا ضعيفُ الإيمان ومن أوثقِ عرى الإيمانِ الحبُّ في اللهِ والبغضُ في الله

وللحديث بقية إن شاء الله